السيد عباس علي الموسوي

187

شرح نهج البلاغة

الملائكة المقربين في حجرات القدس مرجحنين متولهة عقولهم أن يحدوا أحسن الخالقين . . ) وهذا رد يراد به تعجيز من أراد أن يصف ربه وأن هذا المتكلف والمتعسف وصف اللّه بدل ذلك فليصف مخلوقا من مخلوقات اللّه فإنه يعجز عن وصف مخلوق مثله فكيف يصف الخالق وإذا كان قادرا على وصف اللّه فليصف جبريل كبير الملائكة أو ميكائيل أو جنود الملائكة المقربين الذين يسكنون بيوت الطهارة والتقوى خاضعين لهيبة اللّه وجلاله متحيرة عقولهم متشتته أفكارهم لا تستطيع أن تدرك اللّه رب العالمين وأحسن الخالقين . . . ( فإنما يدرك بالصفات ذوو الهيئات والأدوات ومن ينقضي إذا بلغ أمد حده بالفناء فلا إله إلا هو أضاء بنوره كل ظلام وأظلم بظلمته كل نور ) الذي يدرك بالصفات وتستطيع أن تنعته بالطول والعرض والأين والمتى والزمان والمكان وغيرها إنما هو ذو الهيئات والأدوات أي ذو الصفات والآلات وكذلك يصح أن يقع تحت الوصف من له أمد ينتهي إليه ويفنى عنده فإنه إذا تحلل عندها تفحص اجزاءه وتعرف تركيبه فتقدر على وصفه . ثم رتب على ذلك أنه وحدّ اللّه فلا إليه إلا هو ورتب على ذلك أن بشرائعه وأحكامه تضيء الدنيا وتختفي ظلماتها وإذا أراد اظلامها قطع عنها الرسل ورفع عنها النبوات فعادت إلى الجاهلية والعمى هذا إذا أراد بكلامه الأمور المعنوية وقد يريد الأمور المحسوسة وذلك ظاهر بحيث إذا أراد الإنارة رفع بها كل ظلام كما يقع في النهار وقد يظلم بأمره كما في الخسوف والكسوف كل نور . . . ( أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه الذي ألبسكم الرياش وأسبغ عليكم المعاش ) بعد أن انتهى من حمد اللّه وذكر صفاته ودلائل عظمته أوصى بهذه الوصية التي لا يأنف منها أحد الوصية بتقوى اللّه وذكرهم بنعمتين هما مدار الحياة الدنيا الرياش والمعاش الكسوة والمئونة واللّه سبحانه قد ألبسنا الملابس الفاخرة الجميلة التي تقينا الحر والبرد وهي جمال لنا وستر وأوسع علينا المعاش فأحلّ لنا الطيبات كلها وحرّم علينا الخبائث . . . ( فلو أن أحدا يجد إلى البقاء سلما أو لدفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود عليه السلام الذي سخر له ملك الجن والإنس مع النبوة وعظيم الزلفة فلما استوفى طعمته واستكمل مدته رمته قسي الفناء بنبال الموت وأصبحت الديار منه خالية والمساكن معطلة وورثها قوم آخرون وإن لكم في القرون السالفة لعبرة ) لما كان حب الدنيا رأس كل خطيئة أراد أن يزهد فيها أهلها ويرغبهم بالآخرة فضرب لهم مثلا فقال لو أن أحدا من البشر يجد إلى الخلود في الدنيا والبقاء فيها طريقا أو لدفع الموت سبيلا لكان ذلك سليمان بن داود الذي سخر له الجن والإنس فلم يملك قبله ولا بعده ملك ما ملكه هذا النبي مع ذلك